السد الذي بناه ناصر يهدمه سجين هارب متهم بالخيانة العظمي ليضع مصر بين العطش والقبول بخيار الوطن البديل


 

لم يكن محمد مرسي يتوقع للحظة عندما كلف خزينة الدولة المزيد من المال ليسافر إلى أثيوبيا أن واحدة من أسوء رحلاته تنتظره هناك ولم يكن يتوقع أن أثيوبيا التي تجاوبت كثيرا مع الدبلوماسية الشعبية ستعامله بالإحتقار اللازم إلى هذه الدرجة المزرية فتبحث عن وزيرة بلا عمل تقريبا هي وزيرة التعدين التى هرعت على عجل إلى المطار بعد أن صدرت لها التعليمات بإستقبال محمد مرسي لأن أجندة الجميع مشغولة بمن هم أهم منه لأثيوبيا لكن تلك لم تكن المرة الأولي التى يتعرض فيها محمد مرسي للإهانة فمن قبل لم يجد من يستقبله في روسيا سوى موظف محلي برتبة رئيس مدينة ،ولم تكن المرة الأولى التى يشعر فيها أنه غير مرغوب فيه فمن قبل فشل في المرور على فرنسا بينما كان موجودا في ألمانيا دون أن تكلف الخارجية الفرنسية بيان السبب للخارجية المصرية لكن يبدو أن الرئيس الذي يلفظه الجميع عدا خرفانه في مصر قد إعتاد الإهانة فكان لابد له من أن يشعر بإهنة أشد وطأة وتمس الشئ المحبب إلى نفسه وكان ذلك ما ينتظره عندما حاول الإسهاب في واحدة من خطبه المملة في أثيوبيا ليقطع عنه الفنيين الصوت وتنقل شاشات العالم حجم المهانة التى تعرض لها ولم يتعرض لها رئيس دولة من قبل وللمفارقة فقد كنا نشعر بالسعادة لا لشئ لكن لأننا تأكدنا أن ما نمارسه داخل مصر هو شئ عليه إجماع دولي ،وأيضا لأن الرئيس القادم –وهو قادم دون إنتظار لما تبقى من حكم مرسي- سيكون مدركا أنه لو لفظه شعبه في الداخل فإن المهانة التى سيلافيها من المصريين ستتضافر معها جهود أخرى لإهانته كلما فكر في إراحة أعصابه على حساب جيوب الفقراء بالإرتحال خارجا

 

ولأن محمد مرسي لا يعنيه الشأن المصري من قريب أو بعيد ولا يستطيع إدارة نقاش فقد إكتفي بالكذب حول فحوى محادثاته في أثيوبيا التى قررت أن تجعل إفتتاح العمل بسدها الذي يرعب المصريين مصاحبا لعودة السجين الهارب على خلفية قضية يخبرنا الكثيرين أنها تتعلق بالخيانة العظمي  إلى مصر لتوجه إليه صفعة على المؤخرة بالتعبير الإنجليزي لكن تلك الصفعة ربما لا تنال كثيرا من مشاعر الرجل الذي يباهي بأنه واحد من أصحاب (الجلد السميك) فما يستطيع أمثاله إحتماله في تلك المواقع لا يعد شيئا قياسا بإجباره على خلع حذاءه كلما إحتاج إلى الحديث إلى ضابط السجن الذي كان سعيدا بإلتقاط صورة تذكارية معه

 

لكن ما يهمنا ليس كرامة السيد محمد مرسي ولا جلده السميك ولا كرامته المهدرة فهي أشياء تخصه وحده ولا تعنينا من قريب ولا من بعيد لكن الأهم أن الرجل الذي من المفترض ولحين مغادرته القصر الجمهوري سواء عن طريق الصندوق أو داخل صندوق يجب أن يقدم جديدا لمصر يحفظ لها أمنها وهو لم يفعل ويحفظ لها ماءها وهو لم يهتم ليصبح الخطر داهما ومحققا

 

وخطر بناء سد النهضة الأثيوبي شئ تنبه له حتى مبارك الذي إعتاد أن يهمل شأن القارة السمراء تماما لكنه فيما يخص المياه أكد أكثر من مرة أن مشكلة المياه قد تضطره لإستخدام سلاح الجو المصري وكان ذلك أحد أسباب توقف وتأجيل مشاريع سد النهضة – الذي للمصادفة يحمل نفس الإسم الذي يكرهه المصريين بشدة – وحتى بعد تولي المجلس العسكري الحكم ظلت المشاريع مؤجلة إلى أن جاء محمد مرسي وفي ظل حكمه أدرك الأثيوبيين أن الرجل لا وزن له في الداخل أو الخارج وقرروا المضي قدما فلا شئ سيوقفهم لأن مصر التى كانوا يخشونها لا يحكمها رجل

 

 

ولا يتوقف خطر السد الأثيوبي عند حد الفقر المائي لكن السد الأثبوبي الذي يبنى بمعامل أمان أقل من درجتين مقارنة بالسد العالي الحاصل على معمل أمان 8 درجات قد ينهار تحت أي حمل زائد وبصرف النظر عن السودان التى ستغرف حتما لو إنهار ذلك السد فإن شمال الدلتا وجنوب الصعيد سيشهد تهجيرا قصريا في تل الحالة التى ستحول أراضيهم المزروعة إلى مستنقعات عميقة لفترة طويلة من الوقت

ونبقي مع المخاطر التى ندركها وبشكل علمي فإن فترات الجفاف طبقا للتغيرات المناخية تمر بدورات تمحورت مؤخرا حول سبع سنوات من الجفاف لكن بعد بناء السد الأثيوبي فإن فترة الجفاف ستكون ثلاثين عاما أي أن دورة الجفاف ستشمل تلك الفترة بالكامل وهو بجانب تهديده لإحتياجات مصر المائية فإنه ينهي تماما قدرة مصر على الإعتماد على كهرباء السد العالي في وقت لا تجد فيه الفرصة للإعتماد على كهرباء المولدات العاملة بالديزل والغاز

 

وبإحصائية بسيطة فإن الدراسات التى أجريت على السدود حول العالم أظهرت أن العالم به 340 سدا كبيرا إنهار منها 300 بسبب ضغط الأحمال فوق معدلات الأمان وبينما كان نظام عبد الناصر حاسما في موضوع معامل أمان السد ودقيقا في بناءه بحيث بناه منفردا عن غيره من السدود بإعتباره سد ركامي مكونا من مجموعة من الصخور الركامية المتواجدة بالبيئة المحيطة مغطاة بالأسمنت فإن السدود الأخرى لم تكن كذلك والسد الأثيوبي قد يكون أكثرها خطورة طبقا لشكل بناءه المعتمد وهو ما يهدده للإنهيار تحت الضغط دون إطلاق إنذار مسبق

 

لكن الأخطر في الأمر أن السد الأثيوبي ممول بالكامل عبر الصديق القطري لنظام محمد مرسي والذي كان حريصا من البداية على أن يغلف تمويله له بالمساهمة في تمويله عبر عدد من المؤسسات التى يملك فيها أسهما ضخمة مما يتيح له التملص من المسأولية عند توجيه اللوم إليه على الطريقة العربية سياسيا والتى تخلط الخاص بالعام ومشاعر الحكام بمصالح الشعوب

 

لكن المسكوت عنه في الأمر هو الإسهام الإسرائيلي في الأمر والذي كانت إسرائيل حريصة عليه منذ البداية فبصرف النظر عن قضية السد من الأساس كانت إسرائيل وفقا لتقديرات الموقف التى عكفت عليها ما بعد عام 1973 تحاول الوصول إلى عنصر ضغط على مصر بعيدا عن الشكل العسكري وكانت بعد توقيع إتفاقية السلام ميالة للغاية إلى توريط مصر في إدارة غزة ثم تطور الأمر بالتزامن مع إتفاقيات أوسلو إلى فكرة الوطن البديل للفلسطينيين وكانت إسرائيل المولعة بالتفكير لمدي زمنى بعيد تدرك أن مصر هي هبة النيل ولذلك فإن أمضى الأسلحة التى يمكن أن تضغط بها على مصر هي النيل نفسه لذلك ظلت تتحرك داخل حوض النيل حركة محمومة أثمرت في النهاية عن أن تصبح هي صاحبة الكلمة العليا في سد النهضة بصرف النظر عن التمويل القطري المموه بألف ستار ويصبح مطلب الوطن البديل هو الطرح الذي قد ينقذ الأراضي المصرية من الجفاف تارة والغرق تارة أخرى بينما التهديد قد يأخذ في طريقه بنظام غير مرغوب عالميا وشعب منسي في السودان بينما الرجل المكتفي بتعلية أسوار القصور الجمهورية في القاهرة لا يفهم أي شئ سوى الخطابة الركيكة ووضع الخطط البديلة بأمنه وسلامته هو وعشيرته

 

وبين المال القطري والتخطيط والتدخل الإسرائيلي واالعجز والجهل الرئاسي يصبح المصريون أسرى أزمة مياه قد تغرقهم تارة وقد تعطشهم تارة لكنها ستساومهم على كثير من ترابهم الوطني في كل وقت دون أن يهتم لذلك سجين سابق يجلس على مقعد الرئاسة وتحيط به شبهات التخابر من كل جانب وجيش يحاول البقاء نظاميا وشعب يحاول الحفاظ على ما قد يكون قد تبقى من دولة عمرها سبعة آلاف عام

untitled

Posted on مايو 31, 2013

%d مدونون معجبون بهذه: